عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
623
معارج التفكر ودقائق التدبر
على اتّهامهم رسول اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّه يفتري القرآن على اللّه ، ويدّعي كذبا أنّه كلام منزّل عليه من ربّه ، ويدّعي كذبا أنّه نبيّ اللّه ورسوله للنّاس أجمعين . الافتراء : اختلاق الكذب عن عمد . أي : بل . أيقولون مكرّرين تكريرا دعائيّا إعلاميّا ، أخذا من صيغة الفعل المضارع : محمّد افترى على اللّه كذبا بادّعائه النبوّة والرّسالة ، وادّعائه أن ما يتلوه من كلام علينا هو كلام منزّل عليه من ربّه . وغرضهم من هذا التّرويج الإعلاميّ صدّ النّاس عن الاستجابة لدعوته ، والإيمان بما جاء به عن ربّه ، وعن الدّخول في الإسلام . ويردّ اللّه عزّ وجلّ عليهم تعريضا واستهانة بهم ، بأسلوب خطابه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتفريعا على ما يقولون للصّدّ عن الاستجابة لدعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم : فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ : الختم على الشّيء : منع وصول شيء إلى داخله ، ومنع خروج أيّ شيء منه ، والمراد بالقلب هنا جهاز الإدراك والتّفكير ، والعلم والتّعبير ، والختم عليه منع ما يصل إليه وما يخرج منه ، وعندئذ لا يستطيع المختوم على قلبه أن يفهم شيئا ، أو يدرك شيئا ، ولا يستطيع لسانه أن يقول كلاما صحيحا سويّا . وبما أنّ اللّه محيط بكلّ شيء علما ، وهو على كلّ شيء قدير ، يفعل ما يشاء بأمر التّكوين ، فإنّه لا يدع عبدا من عباده يفتري عليه بيانا ، أو كلاما يزعم أنّه منزّل عليه من ربّه ، دون أن يكون قد أنزله عليه ، ومن وسائله جلّ جلاله أن يختم ختما تامّا على جهاز الإدراك والتّفكير ، والعلم والتّعبير فيه ، فيمنعه عن كلّ ذلك ، لئلّا يفتتن النّاس به وهو يفتري على ربّه ، ومن وسائله جلّ جلاله وعظم سلطانه أن يميته إماتة عقوبة فيها إهانة